السيد محمد تقي المدرسي

52

من هدى القرآن

الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ في نقائها وتلألئها ، فعندما تتلوث هذه الزجاجة فإن النور يخبو ، وهكذا الأمر بالنسبة للعقل عندما يتلوث بالأهواء . لا يرى الحقيقة بعينه ، ولا يسمعها بأذنه ، ولذا فإن مصباح الوحي لا ينفعه إلا قليلا ، وإنما يؤيد الرسالة من ذكر نفسه ، وتلألأ عقله ، ولم يلهه عن رسالات ربه شيء . يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لأنه يحتاج إلى زيت يتقد به ، وإذا أردنا أن نؤول الشجرة المباركة نقول أنها شجرة العلم أو التقوى . إذ إن المعرفة تمد مصباح الوحي بالوقود فيزداد بهاء ونورا في مشكاة القلب ، وبهذا جاءت الرواية المأثورة التي سنذكرها فيما بعد . لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ بل في مكان تنشر بركاتها على العالم أجمع ، دون أن تختص بها أرض دون أخرى ، ولعل هذه الكلمة تشير إلى الاستقامة في التقوى ، حيث إن المتقين لا تميل بهم ضغوط الحياة يمينا أو شمالا . يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ فالإنسان السوي - صاحب العقل النظيف - يمتلك علما نقيا ، بعيدا عن الأهواء والخرافات ، فنفسه الشفافة تنتظر أدنى إشارة لتستوعب الحقائق ، والآية تشير - فيما يبدو لي - إلى أن التقوى - وهي زيت مصباح الوحي الزلال النظيف - هي طريق الهدى وسبيل المعرفة ، ومهد الحكمة والسداد ، فإنها تكاد تضيء الحقائق للبشر ولو لم تمسسه نار الوحي ونوره ، لذلك قال ربنا بعدئذ : نُورٌ عَلَى نُورٍ فنور الوحي يتقد بنور التقوى ، والوحي يتألق بنور العقل ، إلا أن التوفيق للهداية لابد أن يأتي من الله سبحانه . يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ فالله هو الذي يهدي من يشاء من عباده للنور الذي أرسله ، وهو نور الوحي ونور محمد صلى الله عليه وآله وسنته الرشيدة ، ونور أهل بيته الطاهرين عليهم السلام . وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فبعلمه أضاف نور الرسالة إلى نور العقل ، ولا يمكن لأحد أن يستفيد من هذا النور دون مشيئته ، فلابد من التوجه له حتى يفيض على الإنسان من نوره ، ولا يكون ذلك إلا عندما يخلص الإنسان العبودية له . ولعله إنما قال تعالى : لِنُورِهِ ولم يقل : ( بنوره ) لأنه يهدي الإنسان بنور رسالته ، لنور رحمته . وقد تعددت النصوص التي فسرت هذه الآية الكريمة ، ونذكر فيما يلي ما جاء عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام في تفسيرها : ( في قوله عزّ وجلّ : كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ قَالَ : الْمِشْكَاةُ نُورُ الْعِلْمِ فِي صَدْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ صَدْرُ عَلِيِّ ، صَارَ عِلْمُ النَّبِيِّ إِلَى